|
بسم
الله الرحمن الرحيم
الغروب
متكئ على سريري ، خلفت كلَّ متاعبي وراء ظهري ، لبست ثوبَ أحلامي
وآمالي ، أرقبُ ذلك المنظرَ الخلابَ من تلكَ النافذةِ الزجاجيةِ ، تغرب الشمس وهي
تتقلب في لونها البرتقالي بين السَّحاب ، ثم تطفو فوق تلكَ الأمواج وتتراقصُ
أشعتها على صفحة الماء الناعمة .
هل ترقص من سعادتها كما يرقص قلبي من سعادته ؟ أظن أنني أكثر
سعادة منها .
رحلة طويلة في غيابة الغربة ، عامان طويلان ما أقساهما ، وما أقسى
الحصولَ على لقمة العيش الحلال ، ولكن كل هذه المتاعب سوف تتهرأ حدتها ، وتنكسر
قسوتها عندما يضم صدري صدرَ ولدي عمرو .
امتدت يدي إلى كوب الشاي أحتسي منه قليلا ثم يقطع شربي تفكيرٌ
عميق في ساعة اللقاء المرتقبة .
ما أقربَ اللقاءَ ! هذه يدي أشعر ببرودة يدِ أحبائي فيها ، وهذا
قلبي متى تتراقص نبضاتُه ودقاته على صدر أحبائي ؟ .
ما كنت أعرف أن كوب الشاي سيظل نصفه دافئا كدفء الحب الذي
يكتنفني ؛ إذ قطع تفكيري نوم جميل واستلبني عن عالم الخيال إلى عالم الأحلام ،
أغمضت عيني عن هذا المنظر الرائع للغروب ، وعن هذه الآمال التي يلوح بريقها في
أفق خاطري ، لا أدري ساعة نمتها أم أكثر ؟ لكن لعل هذه الساعة تقضي على هذا الطول
الغريب للرحلة ، وكأننا نضرب عُباب البحر منذ قرن !!
رجات عنيفة ، أصوات مخيفة ، ما أقبحَه من حُلم ، ليس بوقت هذا
الحلم ، فإنني الآن أخِيط ثوب السعادة وألُف به أحلامي وأيامي ، إنني الآن أرفل
في نعمة الخير والحب .
لا زالت الأصوات والاهتزازات تتزايد ، نظرت من النافذة إذا الظلام
قد سربل البحر بثوبه الأسود القاتم ، وذهب هذا المنظر الرائع للغروب ، نظرت نفسي
، فإذا بي ملقى على الأرض ، ما أذكر أنني نمت هكذا ، جعلت أتفحص المكان ، بجواري
نصفُ الكوب من الشاي الذي تركته وقد افترش الأرض مثلي ، والكوبُ مكسورا .
أدركت حينها أنه ليس بحلم بئيس ، لكنه واقع أشدُ بؤسا .
قمت مسرعا ، تحاشيت الزجاج المكسور ، لملمت أحلامي ، سقط من على
كتفي ثوبُ سعادتي عند نهوضي ، وقطع صمتي صرخة ُ استغاثةٍ من امرأة عجوز ٍ مُلقاةٍ
على الأرض ، تقول : الحقوني سوف أموت ، همهمت بكلام لا أتذكره ، هرولت نحو الباب
، خرجت مسرعا .
ما أقساها من جملة سمعتها ، كادت تعصف بي ، وتحطم بحدها بريقَ
اللقاء المرتقب ، قالها فتى مفتولُ العضلات ، يركض نحو سطح السفينة : السفينة
تغرق ، ماذا ؟
هل أحبت السفينة منظر الغروب ، فأرادت أن تجرب هذا الغروب في
البحر ولو لمرة واحدة ؟ قد يكون !! لكنها ما كانت تدري أن الشمس ستشرق مرة أخرى
....!!
حبي للحياة ولأسرتي دفعني بشدة لا أعرف من تخطيتُ من الناس ،
وبمن اصطدمت ، الذي أعرفه أنني أمسكت بطوق ِ نجاة ، أدافع الموج الهادئَ تارة ،
والغاضبَ أخرى .
ما كان أسرعَ غروبَها ، أسرعُ من غروب شمس ِ هذا اليوم الجميل ،
دقائقُ معدودة ٌ وباتت تلك السفينة ُ في أحضان المحيط ؛ لتهديَ أفضلَ وجبة غذائية
لأسماك القرش ، مئاتٍ من الغرباء منذ لحظات كانوا ينقشون أحلامهم بزخارفِ اللقاء
الملهوف ، ولكنهم ما كانوا يدرون أنهم سينتقلون من حلم جميل إلى لقاء أجمل ، لقاء
الله - عز وجل - يا ترى من هيأ لهم هذا اللقاء ؟!
وبينما أنا على حالتي إذ قرع سمعي من بين تلك الأمواج صوت تنفطر
أمامه القلوب القاسية ، وتندك أمامه الجبال الراسية ، طفل ملائكي بهاتين اليدين
الناعمتين ، يتمسك بحقه في الحياة ، يمدهما إلى مستقبله المجهول ، يرسم بهما على
وجه الحياة آماله الوردية ، ويطلقها مدوية : أنقذوني ، لا أريد أن أموت .
أنسى نفسي ، تهون عندي تلك الأمواج العالية ، أتخطاها بعزيمة ،
أصل إليه ، أحتضنه بثوبه الجديد الذي احتفظ به خصيصا للقاء أصدقائه ، سبحان الله
!! إنك تشبه ولدي عمرو !
ما اسمك حبيبي ؟
أزاح شعره عن عينيه الحمراوتين ، يلف يديه الصغيرتين حول عنقي
ويحتضنني بشدة ، كأنه يحتضن الحياة َ ، ويقول : وائل .
( مستطردا ) أين والدي ووالدتي وأختي ريم ، أحتضنه بشدة : لا تخف
يا بني .
ينظر إلي نظرة عجيبة ، نفذت إلى أعماقي ، وقال : لماذا ؟ وأخذه
البكاء .
تلك النظرة لم تكن أكثرَ تأثيرا فيَّ من كلمته " لماذا " ، صرت
أرددها : لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ .
أخذني البكاء الشديد وأنا أحتضنه ، أحاول أن أطمئنه ، ولكن كيف
يطمئن وهو يرى حوله يدَ الموت تعيث في الأرواح ، والصراخ والبكاء يذهل العاقل
الراشد ، والموج الغاضب يعبث بوجوهنا وأجسادنا وأمعائنا؟.
حملْتُه على كتفي ساعات لا أذكر عدَّها ؟ فتَرَتْ عزيمته وعزيمتي
، لكنني لا زلت متمسكا بحق الطفل في الحياة ، ثماني ساعات ، تسع ، عشر .
ألطم هذه الأمواج الظالمة بشدة على وجهها ، أو تلطمني ، أرفض
الرضوخ لقسوتها وجفائها وكبريائها ، ما أشدَ ظلمَك ! وما أقبحَ استهانتَك بأرواح
الأطفال والناس !
انقطع بكاء الطفل مع انقطاع عزيمته ، صرت أجدد الروح فيه ، ولكن
اليأسَ من المساعدة والإنقاذ تمكن منه وتملكه ، بجانب شدةِ إعيائه ، قالها فزادني
صلابة : دعني يا عم ، لا فائدة ، سوف أموت .
تمسكت به أكثر ، احتضنته بشدة ، كأنني أحتضن نفسي وولدي ، ما هكذا
يموت الأطفال .
إلا من تلك الموجة الغاضبة ، تجمع فيها كل ألوان الظلم والسخرية ،
ما أشدَّها وما أعلاها ! تجرف أمامها أجسادا وبقايا السفينة الغارقة .
تضربني بشدة ، مدت يدها واختطفت وائلا بقسوة وألقته في أحضان
الموت .
يا ترى هذه الموجة أحبته كما أحببته ، فأرادت أن تخلصه من هذا
العذاب ومن قسوة الدنيا وسخرية أهلها ؟؟! لا أدري .
رأيته يتحول عني بوجهه الرائق يطفو بعيدا عني ، إلى أين يا وائل ؟
إلى أين ؟
أخذني بكاء شديد وطويل ............. على أي شيء أبكي ؟!!
............... لا أدري ؟!
أخرجت قلميَ الأحمر ، وكتبت على وجه الماء جملة ، ووضعت تحتها
خطين أحمرين ،
هنا قتل وائل .
هنا قتل وائل .
|