|
بسم
الله الرحمن الرحيم
عربيّ يفْصِل (1) : ما هكذا يكون النقد يا ..... ، ولْـيسجل
التاريخ .
لا أسمح أن يتسرب إلى نفسي ظنّ بأنني الآن أقف موقف الأديب
الناقد أو المصلح الناصح ، أو أنني أرفع دعوة لمعارك كلامية ؛ لأنني وقتئذ سأرفع
راية بيضاء ، ولا أعود إلا مغبر الوجه من آثار تلك المعارك ، فاكتفيت بأن أكون
شاهدًا أو مشاهدًا لبعض ما يدور فيها ، ثم أجري حوارًا مع بعض من يشاهدون معي دون
التجرؤ على مخاطبة أبطالها الحقيقيين .
كلمتي الآن – وأظنها كلمة توخيت فيها الحق ومقاصده -
ليست لشخص بذاته ، ولا لقلم أقصده دون غيره ، ليست بغمز ولا همز ، ولكنها لرواد
هذا الموقع وغيره من المواقع الأدبية، التي أخذت على نفسها شرف البحث عن الحق
والجهر به، وترفع لواء الأدب الشريف النقي النافع غير الضار . كلمتي : لابد أن
يربأ الأديب نفسه ربأً عن هذا التهاتر ، وهذه المناقص التي تعيبه قبل أن تعيب
غيره ، وأن يكون النقد مترفعا عن السباب والشتائم والهمز واللمز والتنابز
بالألقاب والتورية الجارحة والتعريض المعيب ، ما لهذا كان النقد ولا الأدب .
اجعلوا التاريخ – إن ذكركم – يذكركم بخير .
لست ناقدا حصيفا مثلكم ، ولكنني أسوق بعض القناعات التي
ترسخت في عقلي ووجداني مذ درست بين يدي علماء نقد وأدب أكابر بكلية دار العلوم
جامعة القاهرة " وكلية دار العلوم تختص بعلوم اللغة والأدب اختصاصا أكاديميا بحتا
" .
النقد الأدبي كما استقر في نفسي هو : تمييز الناقد - بما
أوتي من علم - بين الصالح والفاسد من عمل أدبي ما، معتمدا على دلالات صادقة
ومتحليا بالحيادية والعدل .
والناقد عندي طائر لا ينجح في تحليقه إلا بجناحين معا : الصدق
والعلم ، ثم يعلو هذا الطائر بالتوازن العاطفي بين السلبيات والإيجابيات .
وأهم ما أجده في هذا التعريف هو ذلك التوازن أو الميزان
الدقيق والذي نطلق عليه مسمى العدل ، فليس العدل مجرد موقف يقفه القاضي ليحكم في
قضية ما ، ولكنه مقياس دقيق يفصل بين نقيضيْن كلاهما جائر ، وطرفين كلاهما متعدٍّ
، قال تعالى : " وإذا قلتم فاعدلوا "، والوزن ينبغي أن يقوم على القسط في جميع
الحالات ، قال تعالى: " وأقيموا الوزن بالقسط " ، وحصاد الألسن لو تزحزح عن العدل
لَعمد إلى الجور والهلاك ، وقد قال تعالي: "مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا
لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" وقال الرسول
r"وهل
يكبّ الناس علي وجوههم إلا حصائد ألسنتهم " . فإذا ما أحب شخص أن يزن عمل كاتب أو
أديب ، فليكن ذلك على مقياس العدل ، وبأدوات مجردة عن النوازع الشخصية والميول
الفكرية والعصبية الجاهلية .
أقول لكم : استسقوا هذه الحٍكَم النقدية من العلماء – نعم العلماء
- .
o
قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسيره : " لا يحملنكم بغضُ قوم
علي ترك العدل فيهم" .
o
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ متعجبا : كم تري من رجل تورع عن
الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الناس الأحياء والأموات لا يبالي ما يقول".
o
قال أبو الدرداء
t:
" إن نقدت الناس نقدوك " نقدت الناس: عبتهم واغتبتهم ." تاريخ بغداد للخطيب
البغدادي " .
o
قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: " لا تعرف الحق
بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله ".
وأقول : تعلمت من هؤلاء معاني واضحة جليلة ، ومنهجا قويما في
الحكم على الأشياء ، فماذا تعلمتم منهم ؟!
وتستطيعون أن تلمحوا هذه المعاني ، بل تقرؤوها واضحة عند النقاد
القدماء والمحدثين، الذين عمّروا الساحة الأدبية بكل ما هو نافع ومفيد ، مثل
"أرسطو" و"كولردج" و"جون كرو رانسوم" و"إليوت" وغيرهم ، وأيضا عند العقاد ومحمد
غنيمي هلال وأحمد الشايب وشوقي ضيف ومحمد مندور وبدوي طبانة وغيرهم ، ممن لا
يحصيهم مقالي ، ولا يغني عمن غيبتْهُ ذاكرتي مَن أسعفتني به .
ولابد لمن يريد أن يسير على دربهم أن يتخلق بتلك الأخلاق التي
تركها علماؤنا نموذجا فريدا نتعلم منه ، أم صار النقد تجريحا وحملة دعائية
للتشهير !
ما قرأت يوما أن النقد غاية في نفسه ، كما يدور بين أنامل
المعاصرين " المعتصرين " ، ولكنني قرأت هذه المقولة لـ ( إليوت) يقول : " لا أظن
أن متحدثا واحدا عن النقد استطاع أن يدعي مجاوزا المعقول ، بأن النقد فن غاية في
نفسه " .
أحيانا تدفعني نفسي دفعا شديدا لأراقب من يضرب بملاءة سوداء على
بعض المفاهيم ، يمزجها مزجا ؛ ليختلط أعلاها بأسفلها، فلا يميز القارئ ما في نقده
من تعسف ، ولا يفرق بينه وبين القوة في الحق أو الإطراء أو الحيادية . ولكنها
عندي على هذا الترتيب: الإطراء ، الحيادية ، القوة في الحق ، التعسف ،، أما القوة
في الحق والحيادية فعندي ممدوحان ، وأما الآخران فمذمومان .
- فأضرب بالعقاد مثالا على القوة في الحق وحفاظه على أصالته ، مع
دعوته إلى الإبداع ، وأحيانا كان يعمد إلى حدة اللهجة في الرد على المعارضين ،
ولكن ما سمعنا بشتائم ولا فضائح ولا سباب ، كما نقرأ ونسمع الآن ، فضلا عما أوتي
من قوة دليل، ونصاعة حجة، وتنوع في المصادر، واتساع علم ومعرفة .
- وأما الحيادية : فسبيل كل ناقد على مر الزمان وصل إلينا نقده
ممدوحا ساطعا على هامة القلم وجبين القرطاس .
- وأما التعسف : وأظننا قرأنا له كثيرا في هذا الموقع – فمثاله "ونترز"
في كتابه " تشريح الهراء " الذي يصف الشاعر "ولاس ستيفنز" بأنه صورة للموهبة
الشعرية العظيمة حين تكون منحلة منحطة . (1)
والدليل على تعسفه أنه غيّر رأيه وقال : في كتابه " البدائية
والانحطاط " بعد أن ظل "ستيفنز" أربعة عشر عاما في الدرك الأسفل ؟ كما يقول "ونترز"
فإنه قال فيه " لعله أعظم شعراء جيله " . ثم كتب "ونترز" بعد ذلك مراجعة يقول
فيها: " سيشهد عام 2000 كلا من "ستيفنز" و"وليمز" وقد تأثلت مكانتهما وعدا أحسن
شاعرين في جيلهما.(2) .
- وأما الإطراء الذي سماه صاحب المصدر السابق " صفق لي أصفق لك "
وضرب له مثالا : بالناشر "ألان سوالو
A. Swallow
" ، يصف "ونترز" بأنه " أعظم ناقد في
نهضة النقد الحديثة " ويسميه "لنكولن فتزل
L. Fitzell
" أحد أثرائه السبعة عشر " الشاعر
والناقد الرهيف الذي يحب الغرب (3) .انتهى ب.تصرف .
أقول : اتسعت رقعة المقال فكان مقصدي الكلام عن مذهب التعسف فقط ؛ لأنه هو الذي
ظهر جليا في عدة مقالات أخيرة بهذا الموقع ، ولكن من الجيد ضرب المثل ، ليدرك
القارئ الفارق بين الناقد البصير ، و" الانتقادي " كما سماه البعض . فلا يعقل أن
يكون الأديب الناقد ممن يهتك الأعراض ويتتبع الزلات ويوضح العثرات ، وأن يكون
كتابه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من سقطات الأخر ، ليس همه إلا التقشير الظاهري
للعمل الأدبي دون الغوص في معانيه وأفكاره ، كمن يقبل على الزواج فيطلب أجمل
النساء ولا يضره عقمها ولا سوء خلقها . ولا يسدي إلينا نحن – القراء – يد الفضل
الندية بتقديمه المعرفة في أحسن منظر وأجمل مقال . وأرجو أن يتقبل مني كل من هذا
وصفه ؛ فالعاقل يتقبل الحق ولو كان من لسان الشياطين والحكمة ضالة المؤمن أينما
وجدها أخذها .
أيها الأدباء والنقاد : ......
نبحث فيكم عن النقد الجاد الذي لا يعتوره عصبية ولا سطحية ولا
هوى ولا حب ظهور ، فالنقد جعل أصلا ليقوم ويصحح ويسدد ويقارب ويعالج .
هل يحب أحدنا أن يصبح وقد انتزع نفسه من لباس البشرية ، تذوب ثقتة
بنفسة ، فلا يجالس إلا مداحين ، ولا يأنس إلا بلدغات القداحين ، فيصبح المرء مع
نفسة كـقبطان سفينة ، إما أن يمدحه المسافرون ، أو يدخل بهم في صخرة فيغرقهم
ويغرق معهم ، لا يقبل رأي الآخرين بصدر رحب بحجة أنهم كلهم خطائين ، مع علمه أن
الخطأ صفة ملتزمة وملتصقة ببني آدم ، لا مفر منها ، ولو سلِم البعض منها لسلم
منها الصحابة الكرام .
لسانه كالذباب لا يحط إلا على القذارة والأوساخ ، أصبعه عقرب ،
وقلمه عقور ، لا يسلم منه اللئيم ولا الكريم، لا يتذكر إلا الفضائح والجرائم
والسيئات ، جعل من نفسه قيّما على الآخرين من ذوي جلدته ولغته ، يحسب نفسه كاتبا
وقارئا ومهندسا وطبيبا ومعلما ، ينبغي – بل يفترض – أنه إذا قيل أن يسمع ، وإذا
خطب أن ينصت له . وإذا حكم ألا يراجع .
- وهل من العقل أن يحكم القاضي على متهم بلا استماع شهادة الشهود
ومرافعة المحامي ؟! لذلك كان من الحتمي أن يدع الناقد للطرف الآخر فرصة ليعبر عن
رأيه ، وأن يتقبله إن كان موضوعيا ، وأن يأخذ بظاهر كلامه ويحسّن الظن فيه ، ولا
يحاسبه على مالا يملك، أو يدّعي عليه ما لا يعلمه إلا الله من مكنون نفسه ،
والنفس البشرية محبة لذاتيتها ، فمن منا يرى الآخر يتجرأ عليه ويسكت ؟! ولكنه
لابد أن ينساق خلف مناقص الآخر وهفواته وماضيه بلا اكتراث بحسناته ومنجزاته ؟1
تصديقا للبيت الشعري المعروف :
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ولقول أبي الدرداء
t:
" إن نقدت الناس نقدوك " أي: عبتهم واغتبتهم .
.... وهل بيننا من يتهم نفسه بالكمال ؟!!!
فلا تملأ كلمة " أنا " عين امرئ فلا يرى إلا نفسه ، حيثما يولي
وجهه لا يرى إلا رأيه شاخصا أمامه ، وأينما يولي سمعه لا يسمع إلا صوته أو صداه
ولو كان نشازا .
ما ذنبي أنا – القارئ – الذي يبحث عن شيء يسدّ به نهمته الأدبية
وجوعته الثقافية ، أن تلاحقني مدسوسات على ساحة الأدب وتسمى مقالات أدبية ونقدية
، وإذا تبحث فيها لا تجد إلا خواء معرفيا وثقافيا ، وضحالة فكرية ، وخللا منهجيا
، وسبابات وقذائف وشتائم وأمورا شخصية ، وماضيا عفا عليه الزمان ، وأكلته الساعات
والأيام ، ما ذنبي أنا – الذي يبحث عن حقيقة ، فيصطدم بها في بطون بعض الكتابات
مشوشة وفيها دخن ، ومغبرة بغبار أسود ينبعث من نفوس مريضة لا ترى الكون إلا أغبر
من تلك الأقلام وهذه الألسن والظنون -.
عذرا ... عذرا ... وألف عذر ..
وأخيرا :
ليس المجال مجال ذكر الأخطاء اللغوية والنحوية وغيرها مما زلت فيه
قدم بعضهم فقد سبقني إليها من هو أجدر مني في ذلك ، ولا المجال مجال تقويم عمل
أدبي مترجم ؛ فلست ممن يعرف الكردية عدا شذرات من هنا وهناك ، أو نقد عمل إبداعي
؛
فلست ممن يتقن فن النقد وعلمه ، ولست أملك جميع أدواته ، ولكن
دفعني إلى ذلك المقال وإلى الذي سبقه حبي للغتي وتوقيرها وصيانة جنابها عما
يدنسها مما سيق على أقلام بعضهم ؛ لذا أستطيع أن أقول إذا دخلتم في رحاب العربية
فاخفضوا الرأس احتراما لها ، أو فارحلوا عن ساحة اللغة التي لا تجني من ورائكم
إلا تشويها؛ فلا أستطيع أن أرى من يمسك بمعوله يحاول المساس بها وأنتظر .
أبعث نداء حزينا ، ورسالة صادقة ، وكلمة أخيرة ، أما النداء
فأبعثه إلى كل من : أ/ إبراهيم محمود وأ/جميل داري وأ/دحام عبد الفتاح وأ/جان
دوست و... غيرهم : لو أردتم أن تحرمونا النافع من علمكم وفنكم ، فأقصوا عنا
شتائمكم ، واذهبوا بضغائن نفوسكم إلى مجال آخر تجدون فيه متنفسا لكم غير مجال
اللغة العربية الموقرة والأدب والنقد الكردي ، لأنه كما قلت في مقالي السابق ، لا
مجال فيه لمن ........ ، وكلكم ذو أدب ، ولكن ((( آه من تلك النفس البشرية
ونوازعها ))).
وأما الرسالة :- إلى أ/ دحام عبد الفتاح : امض في طريقك مترجما
وأديبا لكل عمل نافع لا يضرك بعض الزلل وتمسُّح الآخرين به .
- إلى أ/ إبراهيم محمود : استثمر نقدك في البناء ، وأمامك – إن
شاء الله – مكانة يفسح لها النقاد ، وننتظر منك اللغة الواضحة غير المتلعثمة كما
عرفناها صافية غير مكدرة وأنت لها .
- إلى أ/ جميل داري : عرفتك شاعرا مرهف الحس ، إنساني النزعة ، لا
تعكر قلمك بما ليس لك قناعة فيه ، وأشكر لك حفاظك على الأصالة اللغوية غير
المحرفة للعربية والكردية وغيرهما .
- وإلى القراء الكرام : لكل إنسان زلة ، وقال الله تعالى :"
فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " سورة الرعد 17 .
أحمد فراج العجمي ، ليلة الأحد 12/1/20089م
ــــــــــــــــــ
1 ، 2 ، 3 : النقد الأدبي ومدارسه الحديثة . تأليف ستانلي هايمن .
ترجمة : د/ إحسان عباس , د/ محمد يوسف نجم . |